مدونة السياسة الخارجية – بولندا تثير مواجهة نووية بين الناتو وروسيا؟

Donate


Arabic text by Leo Il Duce

في أوائل كانون الأول عام 2015، أصدرت حكومة بولندة عدد من التصريحات فيما يتعلق باشتراك البلد في برنامج المشاركة النووية. لقد قدم الاقتراح بسبب التقاعد الوشيك لطائرة سلاح الجو الألماني تورنادو IDS القاذفة، والتي تمثل الوسيلة الوحيدة لإلقاء القنابل النووية عند ألمانيا. إن المقاتلة الأوروبية تايفون التي بدأت تحل مكان تورنادو في الخدمة هي غير قادرة على توجيه ضربات نووية، وهذا ما يثير تساؤلا عن مصير مخزون الولايات المتحدة المؤلف من 200 قنبلة نووية B-61 ذات السقوط الحر، والذي يمثل ترسانة ألمانيا النووية اتفاقا مع مشاركتها في البرنامج. وفي مثل هذه الحال، بحسب خبراء وضباط بولنديين، فإنه من الطبيعي لسرب F16 البولندي أن يتولى المهمة التي تخلت عنها ألمانيا. إن تنصيب أسلحة نووية في الأراضي البولندية سيغير بشكل واضح دينامية العلاقة بين الناتو وروسيا، وسيكون هذا التغيير إلى الأسوأ.

هذا الاقتراح المفاجئ والملفت إلى حد ما له سببين: الأول هو إحساس بولندا بالأمن والذي يسوء باستمرار في السنوات القليلة الأخيرة. وهناك مسببات عديدة لهذه الأوضاع، وتتضمن النتائج السلبية لنشر الجيش البولندي في أفغانستان والعراق، إذ اقتضى ذلك أن تخفض ميزانيتها إلى أقل حد ممكن من أجل ارسال قوات متوسطة الحجم ممثلة لها إلى أفغانستان. وكانت النتيجة تقليص الجاهزية القتالية لجيشها، خاصة فيما يتعلق بالأسلحة المعقدة والباهظة الثمن مثل مقاتلة الإف 16 (والتي تملك بولندا 48 منها) والليوبارد A24 و A25 إم بي تي MBT (عددها الكلي ما يقارب 200 دبابة ). إن تكلفة صيانتهم تعني أن قسم لا بأس به من ترسانة بولندا التقليدية هي حاليا غير جاهزة للعمل بسبب مشاكل تقنية. إن نشر مقاتلات Mig 29 بدلا من F16 في كل مرة تشارك فيها قوات الجو البولندية في مهمة مراقبة جوية في منطقة البلطيق له دلالة كبيرة. ومن ناحية أخرى، بينما اعتاد الخبراء العسكريين البولنديين الاستخفاف بالمقدرات العسكرية الروسية، وتفضيل اصلاحات بولندة العسكرية عند مقارنتها بتلك التي قامت بها روسيا، فإن العمليات في كريميا وخاصة في سوريا قد أجبرتهم على إعادة تقييمها. لذلك أصبحت الأسلحة النووية جذابة بغرض تعويض النقص في القدرات التقليدية.

وأما السبب الآخر هو سياسي، والهدف هنا ليس روسيا بقدر ما هو ألمانيا. إن الحكومة البولندية الحالية، والتي تتألف من قوميين محافظين معارضين للاتحاد الأوروبي، ترحب بالفرصة لتقليل أهمية ألمانيا داخل الناتو والاتحاد الأوروبي وزيادة أهمية بولندة عن طريق جعل بولندا حليف أكثر جاذبية للولايات المتحدة من ألمانيا. إن حكومة بولندا الحالية شديدة الارتياب بألمانيا، ومتخوفة من قوتها الاقتصادية والسياسية في الاتحاد الأوروبي، ومن قدرتها ورغبتها في التعاون الاقتصادي مع روسيا، وهذا ما تغتاظ منه بولندا. من الواضح أن بولندا تأمل أن تقلل من مكانة ألمانيا، وأن تدق إسفينا بين روسيا وألمانيا وباقي الاتحاد الأوروبي وذلك باتباع سياسة محاولة استثارة روسيا واضعة ألمانيا في موقف لا تحسد عليه عندما يتعين عليها أن تدعم حليفتها في الناتو والاتحاد الأوروبي.

هل ستنجح بولندا في أن تصبح شريك في برنامج المشاركة النووية؟ هذا بعيد الاحتمال في الوقت الحالي. إن قوات بولندا التقليدية الضعيفة، وطائراتها الغير منيعة المخصصة كوسائط لتنفيذ الضربات النووية (48 طائرة F16 العديد منها غير جاهز للعمل إضافة إلى أنها ستحتاج للتعديل كي تستطيع حمل سلاح نووي في أي حال) يعني أن أي قاعدة نووية للناتو سوف تحتاج أن ترفق بانتشار قوات تقليدية ذات حجم كبير بما في ذلك نظام دفاع جوي ونظام مضاد للصواريخ البالستية. وبولندا لا تملك أسلحة دفاع جوي حديثة طويلة المدى. وبالمقابل، فإن المائتي قنبلة B-61 في ألمانيا ، تتوضع في مطار بوخل غرب ألمانيا، بالقرب من الحدود مع لوكسمبورغ، حيث هي آمنة نسبيا من الهجمات الروسية التقليدية. إن وضعهم في بولندا سيجعلهم هدف قريب في نطاق صواريخ إسكندر البالستية وصواريخ كاليبر، هذا إذا لم نريد أن ذكر الطائرات التكتيكية أيضا. لذلك فإن وضعهم في بولندا سوف يتطلب إجراءات أمنية عسكرية واسعة ومكلفة.

ربما هذا ما تتطلع إليه بولندا. إلا أن التكلفة والجدل المتعلق بهذا المدى من الاجراءات هو على الغالب أكثر مما يستطيع قبوله أعضاء الناتو الأوروبيين، إلا إذا حدث تدهور خطير في العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

Donate

هل أعجبتك هذه المقالات؟ فكر في مساعدتنا!

Donate $10   Donate $20   Donate $50   Donate $100   Donate $300